كتابة النساء

  • الأربعاء , 22 ديسمبر 2021

  • فريق أو

  • منشورات

  • انشره على


تاريخ " الكتابة النِّسائيَّة" مغزولٌ عبر الأزمان من جدليَّة العلاقة بين المرأة والإبداع البيانيِّ/ الكتابيّ! تلك الجدليَّة الأزليَّة العالميَّة الحضاريَّة العميقة؛ التي طاحنت صراعاتٍ عُظمى؛ فطحنتها! ومرَّت بتحولاتٍ وتشكُّلات إلى أن بُعثت من موات، وجرى في شرايينها ماء الحياة؛ فأسفر نورها؛ واستبانت قسماتها، وتجلت ملامحها القوميَّة وضيئة في سياقاتها الثَّقافيَّة؛ فاستعادت مكانتها الطبيعيَّة، ونزعت حقها الوجوديّ الفطريّ في البيان!
 فالمرأة ذاتُ استعدادٍ فنيٍّ أصالةً! فطرةً، وطبيعةً، ومزاجًا؛ إذ هي مالكة لعنصر جوهري في الأدب؛ وهو الوجدان! بغيره لا يكون الأدب فنًّا ذا روح! فلم تكن المرأة يوما عقيمة الوجدان؛ ولا شاذة عن فطرتها؛ لتختفي عن ميدانها الأصيل؛ بل وُجِدت، بتجلِّياتٍ مختلفة! ثمَّ أُسقط مكانها في التَّاريخ الأدبي عنوة!! لأسباب تختلف باختلاف السياقات الحضاريَّة وأفكارها؛ ولكلِّ امرأة في كلِّ أُمةٍ قصَّة: من الكَون والبدء، حتى التَّحول والموات، ثم العود والانبعاث! وقصة طويلة من الظلم، وقصة مثلها ومثلاها من الانتفاضة عليه والكفاح!      


أوليَّة الحِكَاية: 
حين نتحدَّثُ عن علاقة المرأة العربيَّة بالإبداع البياني/ الكتابي؛ ومتى فتق الإبداع البياني على لسانها، ومتى كانت لحظة الكون والبدء؟ ومن الأديبة العربية الأولى؟ نقول : إنَّه لا أوليَّة لذلك؛ فالمرأة العربيَّة منذُ فجر تاريخها على جزيرة العرب تمارسُ حقها الفطري الطبيعي في الإبداع والبيان؛ فهي: تُشعر وتخطبُ وتحكي وتنقد جنبًا إلى جنبٍ صنو الرِّجال، بل ويحتكم إليها الشعراء بلا غضاضة فتحكم وتفصل ، و كلُّ ذلك باسمها الصَّريح، ونسبها الممتد إلى قبيلتها العريقة!
يقول أبو نُواس:" ما قلتُ الشِّعر حتر رويتُ لستين امرأة من العرب غير الخنساء! فما ظنُّك بالرِّجال؟! وإني لأروي مئة أُرجوزة لا تُعرف!"، ومثله أبو تمام إذ يحكي حين جمعه لمختارات ديوان الحماسة زمن مكوثه في خراسان في خزانة آل سلمة؛ أنه قرأ سبعين ديوانًا للنِّساء دون الرِّجال!
وفي كتاب:" شواعر الجاهلية" تترجم رغداء مارديني لثلاثٍ وستين شاعرة من الجاهليَّة؛ قد نثرت أخبارهن في كتب الأدب وشيء من شعرهنّ قليل!، وأمَّا في  كتاب: "معجم النساء الشَّاعرات في الجاهلية والإسلام"؛ فقد أورد المهنا ترجمة لخمسمئة وخمسين شاعرة من الجاهليَّة إلى القرن السَّادس الهجري! ثمَّ استهلَّ ديوانه بـ:" آمنة بنت وهب"، والدة النَّبيّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم!ـ وأورد لها أبياتا قالتها حال نزعها؛ تأسى بها على ابنها اليتيم محمد في سنيِّه السِّت: 


بارك الله فيـــــــك من غُلام     يابنَ الــــذي في حـــومة الحـِـمام
نجا بعــــــون الملك العـــــلَّام    فودي غداة الضرب بالسِّــــهام
بمائـــة من إبــــــــلٍ ســــــوامِ    إن صحَّ ما أبصرتُ في المنـــــام
فأنت مبعوثٌ إلى الأنــــــــام    تبعث في الحــــــلِّ وفي الحرام
تبعثُ بالتَّوحيـــــد والإسلام    دينَ أبيـــــــك البرِّ إبراهـــــــام
فالله يهناك عن الأصنــــــــام    أن لاتواليــــــها مع الأقــــــــوام

وأما كتاب: " بلاغات النساء" في الجاهلية وصدر الإسلام؛ فيستهله ابن طيفور بقوله:" هذا كتاب بلاغات النساء، وجواباتهن، وطرائف كلامهن، وملح نوادرهن، وأخبار ذوات الرَّأي منهن، على حسب ما بلغته الطاقة، واقتضته الرواية، ...، مع ما جمعن في أشعارهن في كل فن مما وجدناه يجاوز كثيرا من بلاغات الرجال المحسنين، والشعراء المختارين". 
وكتبت المرأة العربية الجاهليّة في كلِّ فنون القول على خلاف مما يدَّعى بأنَّ شعرها اقتصر على الرِّثاء! بل بزغت في مختلف ألوان القول التي لا تتناهى؛ فهذه ليلى بنت لكيز بن مرة المعروفة بـ:" ليلى العفيفة" كتبت في البكاء على الذات، والخنساء كما كتبت في الرثاء كتبت في غيره.
و أبدعت في النثر إبداعها في الشعر، بيد أنها كانت في الشعر أغزر نتاجًا، وعلى قلة ما بلغنا عنهنّ؛ فإنَّ ما وصلنا في النثر أقل؛ نظرًا لطبيعة النثر، ومشقة حفظه؛ خلافًا للشعر! 
وكتبت في صنوف النثر: 
1.    الوصايا: ومثالها وصيَّة أُمامة بنت الحارث الشَّيبانيَّة لابنتها قُبيل زفافها؛ وهي من أبلغ ما قيل في بابها.
2.    الأمثال: ومثالها قول امرأة سعيد بن زيد بن مناة الذي عقَّبت به على ضرائرها؛ ثم سار مثلًا:" رَمَتني بدائِها وانسلَّت".
3.    حديث الكاهنات: ومن أشهرهنّ ( طريفة)؛ التي تنبأت بخراب سدِّ مأرب.
4.    أجوبة النساء البليغة: كأجوبة امرأة أبي الأسود الدؤلي في مجلس معاوية حين شكته زوجها؛ واحتكمت إليه في حضرة أبي الأسود؛ فأنصفها معاوية عليه لبلاغتها!    
5.    الخطابة.


بيدَ أن السُّؤال الذي يلتمعُ في أفق هذا السَّرد/ أين ذهب كل هذا النتاج الأدبي الغزير؟ أين ذهبت أشعار هذا العدد البالغ من الشاعرات؟ أين اختفت تلك الدواوين؟ 


يرى الباحثون أنّها بين ثلاثة أحوال:


1.    قد تكون مما فُقد في الحروب والغارات؛ لاسيما ما حدث زمن التتار والمغول.
2.     أو قد تكون مما أهمله الرواة عنوة؛ فسكتوا عن روايته استنقاصا للمرأة التي لا يرون شعرها الرقيق شيئا نظير شعر الرجال الجزل.
3.     أو مما أُغفل كتابته عمدًا في عصر التَّدوين في العهد العباسيّ، وهو العصر الذي شهد انحسار المرأة من الساحة الأدبية والثقافية، وبداية إقصائها، والتشديد عليها، في الوقت الذي بذلت فيه الجواري وانتشرت!
 ومع بزوغ الإسلام: اتقدت مشاركة المرأة الأدبية شعرا ونثرا كنوع من الجهاد بالكلمة والمسؤولية الدينية، فقالت وأبانت في كلِّ أبواب القول المعهودة قبل الإسلام، أو ما استُجدَّ به؛ ففي الشعر قالت: في السِّياسة، والعقيدة، والمدح، والرثاء، والذود عن حمى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والدِّفاع عنه؛ وإذكاء حماس المجاهدين في المعارك.
وفي النثر: قالت في الخطابة، والرسائل المكتوبة، والقصة، والوصايا، وأدب الوافدات النسوية.
ومن أبلغ الأديبات وأشعرهن وأغزرهن أدبا وفقها وعلما وفطنة: عائشة بنت الصديق ـ رضي الله عنها ـ؛ وبلغ عدد نصوصها: أربعة وتسعين نصًّا. 
ومن الشاعرات اللاتي حضرن المعارك وشاركن في الذب عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإذكاء حماس المجاهدين: صفية بنت عبد المطلب بن هاشم؛ فقد حضرت أحدا والخندق.
وفي المدح برزت: ابنة لبيد بن ربيعة.
وفي الغزل اشتهرت: حبيشة بنت حبيش العامرية.
وفي النثر الوصفي: أبلغ ما قيل فيه وصف أم معبد للنبيِّ ـ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ـ.   
ثمَّ جاء العصر الأمويِّ: فتألقت المرأة إبداعيًا؛ وكان لها أثر محوري في الازدهار الثقافي والأدبي والعلمي والمادي الذي انبجس عنه العصر الأموي؛ فزاحمت الرجال في مجال العلم والفكر والأدب!


ومن أشهر أديباته: 


1.    سكينة بنت الحسين بن علي؛ فقد كانت أديبة ناقدة للشعر؛ لها ناد أدبي، تناظر فيه الشعراء وتحاورهم؛ وتفصل بينهم، ولها فيهم حكومة، تدني من تشاء وتقصي من تشاء. 
2.    ومنهن رابعة العدوية؛ التي برعت في قصائد الزهد، والتصوف، وكان جوهر شعرها عن الحب الإلهي.
3.    ومنهن ليلى الأخيلية: وبرعت شعرا ونثرا؛ ومن أشهر ما وردنا من نثرياتها: حوارها مع الحجاج بن يوسف الثقفي.  
وبقدوم العصر العباسيّ: انحسر دور المرأة أدبيًّا وثقافيًّا وعلميًّا؛ لأسباب كثيرة؛ منها: كثرة الجواري والاتجار بهن، وانتشارهن؛ في مقابلة الغيرة البالغة على النساء الحرائر؛ غيرة أقصتهنّ عن السياقات العلمية والأدبية؛ وعلى أن هذا العصر عصر حراكٍ علمي وثقافي وأدبي وفكري، وانفتاح على الأمم والثقافات، ودعم من الخلفاء للفكر والأدب والعلم والترجمة؛ إلا أنه كان على المرأة الحرة انحسارا وإخفاتًا وإسكاتًا؛ بل وتهميشا لنتاجها على الإطلاق، حتى السابق منه! فأهمل وأغفل وأقصي حتى من التدوين في هذا العصر الذي بدأ فيه التدوين للعلوم والآداب وازدهر! وتغيرت الوجهة إلى تعليم الجواري الأدب والشعر والبيان؛ للمغالاة في سعرهنَّ!
بيد أن قلة من الأديبات برزن؛ لأسباب خاصة؛ كأن يكن متصلات بالبلاط والسلطان، ومنهن: أم البنين زوجة الوليد بن عبد الملك، وزبيدة بنت المنصور زوجة هارون الرشيد.   


ومن هنا كانت بداية وأْد التاريخ الأدبي/ الإبداعي للمرأة العربية حيًّا؛ وتغيرت وجهة تاريخهنَّ الكتابي الإبداعي، وانقلب رأسًا على عقب؛ من قمة الإبداع البياني المتأصل في تاريخ المرأة العربية، إلى الإسكات والإخراس والوأد عنوة! 
و أما في العصر الأندلسيّ: فقد كان للمرأة أثر رائد في الحركة الثقافية والأدبية؛ وأُطلقت لهن حرية المشاركة الاجتماعية؛ فكن يترددن على مجالس العلماء والأدباء، ويشاركن في المناظرات والمساجلات والمناقشات، ولهن منتدياتهن الأدبية الخاصة التي يرتادها الأدباء والشعراء من الرجال، و كن يترددن كذلك على مجالس الرجال الأدبية!
وقد نهضت الحركة الأدبية الأندلسية وقامت على أكتاف النساء الحرائر؛ أما الغناء والموسيقى؛ فقد كانا من امتهان الإماء! خلافا لما حدث مع المرأة العربية المشرقية!


وأفتنت المرأة الأندلسية في الشعر خاصة؛ حتى بلغ عدد شاعراتهنَّ ستين ألفا؛ جلُّهن من غرناطة؛ وكن يلقبن بالعربيات لا الغرناطيات؛ لانتهاجهن نهج العرب في القريض؛ وقد كتبن: غزلا ومديحا وهجاء ووصفا للطبيعة، وفقن شاعرات المشرق نتاجًا وكمًّا!
وقيل: أول حُرَّةٍ قرضت الشعر في الأندلس: حسَّانة التميمية؛ وكان شعرها ناضجا؛ أصيلا؛ ذا ثقافة عميقة؛ طرقت فيه فنون القول: رثاء، ومدحًا، وشكوى، إلخ. 


ومن أشهر الشّاعرات الأندلسيَّات: ولادة بنت المستكفي، ومريم بنت يعقوب الأنصاري.    
ثمَّ جاءت عصور الانحطاط في المشرق امتدادًا لانطفاء الإبداع البياني/ الكتابي للمرأة العربية عن ما آل إليه حالها في العصر العباسيّ؛ فنالها التهميش والإقصاء والمنع من العهد الفاطمي إلى المملوكي إلى العثماني وحتى بداية حركة النهضة العربية الحديثة.
إلا أنَّ قلة من النساء خرجن إلى الحياة العامة؛ وخضن تجربتهن الأدبية بعد سقوط بغداد وتقويض حكم بني العباس؛ كفاطمة الباعونية؛ التي تعد رائدة من رائدات الأدب. 
وقد اتسم الأدب النسائيُّ في هذه الحقبة القديمة الممتدة : بالانفعال الوجداني، ودقة الملاحظة، والعناية بالصياغة، والصدق في التعبير، والتصوير الصادق للذات النسائية في مواجهة الحياة، والتأثر بالأحداث، والتصوير للمشاعر، و الميل إلى المقطوعات وقصر النفس لقيام شعرهن على البديهة والارتجال؛ والكتابة بأسمائهن الصريحة المنسوبة إلى قبائلهن؛ وفي شعرهن صراحة حرص المجتمع أن يكتبها!    

عصر النَّهضة:
وفي أعقاب القرن الثامن عشر وأعتاب القرن العشرين اندلعت في العالم العربي أحداث هزت كيانه وفجرت أركانه؛ و غيرت مسيرته وقلبت مفاهيمه؛ ناثرة البذور الأولى لتحول الأمة العربية، وانقلابها، منها: 
1.    الحملة الفرنسية على مصر أواخر القرن 18م.
2.    استئثار محمد علي باشا بحكم مصر، وتحقيق نهضة شاملة فيها.
3.    التدخل الأوربي في بلاد العرب عامة، والشام خاصة؛ في كل المجالات: علمية وثقافية ودينية. 
تفجُّر هذه الأحداث وتعاقبها أفضى إلى ثورة حياتيَّة شاملة؛ من آثارها: الثورة العلمية والثقافية، والتي أثرت على المرأة وتأثرت بها وتُؤثر لها أيضًا! فانبعثت حركة:" تحرير المرأة" على يد رائدها: رفاعة الطهطاوي؛ مطالبة برفع الظلم والإقصاء عن المرأة؛ محاربة النظرة الدونية لها، داعية إلى تعليمها، وتمكينها، ومساواتها بالرَّجل! ممهِّدة الطريق إلى تأسيس الجمعيات النسائية التي قادت ورعت النضال من أجل المرأة، واستعادة حقوقها وحريتها!
تلا ذلك نشوء الحركات النسوية؛ بريادة الرعيل الأول، كـ: وردة اليازجي، ومي زيادة، وهدى شعراوي؛ اللاتي دخلن ساحة الأدب؛ فاتخذنها متنفسا، ومنبرا للمناضلة عن المرأة، والدعوة إلى مساواتها بالرجل في صنوف مجالات الحياة! 
ومن هنا كانت الجذوة الأولى لاستعادة الكتابة النسائية؛ وإعادة كتابة تاريخها من جديد!       
يؤرخ بعض الباحثين بداية الكتابة النسائية في العصر الحديث بعام 1860م؛ مستدلين على ذلك بكتابات شعرية نسوية متبادلة بين وردة اليازجي ووردة الترك في هذا العام، أعقبتها رسائل مثلها بين وردة اليازجي وعائشة التيمورية عام 1870م! ويذهب البعض الآخر إلى أن البداية الفعلية للكتابة النسائية الحديث كانت عام 1870م! 
وسلكت الكتابة الأدبية النسائية في عصر النهضة الحديثة مسارات ثلاث: 
أ‌.    الكتابة الأدبية الإبداعيَّة الفنيَّة: 
و شملت اتجاهات الكتابة الثلاث: ( الشِّعر، والقصَّة، والرِّواية)؛ و بها عبرت المرأة عن مشاعر الأنوثة، وعواطفها، وهمومها، عبرت عن ذاتها بعد استئثار الأدباء الرجال طويلا بالتعبير عنها، و ترجمة أشواقها، بل والحديث عن تجربتها العاطفية التي هي قوام أنوثتها وسر حياتها :
1.    الشِّعر: وكانت وردة اليازجي أول شاعرة عربية ظهرت في العصر الحديث بعد حركة النهضة أواخر القرن 19م، و استهلت نتاجها الأدبي بديوان:" حديقة الورد" عام 1867م. 
و كان " لأم نزار الملائكة" : سلمى بنت عبد الرزاق الكاظمية، أثرا في تمهيد الطريق للشاعرات من بعدها، خاصة في العراق، و في مقدمتهن ابنتها: نازك الملائكة: التي استطاعت أن تنتزع للأديبة مكانا مرموقا بين أعلام شعراء الجيل، وأن تفرض على الأدب الحديث الاعتراف بالأديبة العربية شاعرة من الطراز الأول!
وفي فلسطين تألقت فدوى طوقان: شاعرة موهوبة لا تخطئ في شعرها العاطفي شذى عطر حواء، وروح أنثى الشرق بكل سحرها وسرها؛ ومن أشهر دواوينها: " وحدي مع الأيام"، و " وجدتها"، و" أعطنا حبا". 
2.    القصَّة: وأمَّا القصَّة النِّسائيّة فأُرِّخت بدايتها بعام 1934م، وذهب بعض النقاد إلى أنَّ رائدة الكتابة فيها " لبيبة هاشم"، حيث وضعت البذور الكتابية البدائية الأولى لها ؛ إلا أنَّ أول محاولة فنية ناضجة لكتابة القصة القصيرة كانت عام 1934م على يد عائشة عبد الرحمن المعروفة بـ:" بنت الشاطئ"، عن قصتها:" قلبان في ذُبول".   
و ممن برزن في فن " القصة" الأديبة: سميرة عزام، ومن مجموعاتها القصصية:" أشياء صغيرة ـ الظل الكبير" 
3.    الرِّواية: وحين استقرت الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وازدهرت الحياة المدنية ظهرت الكتابة النسائية في الفن الروائي؛ ويكاد يجمع النقاد أن التاريخ النسائي الروائي؛ استهل بالأديبة:" عائشة التيمورية" وروايتها:" نتائج الأحوال في الأقوال والأفعال" عام 1885م، بل إن البعض يذهب إلى أسبقية رواية عائشة التيمورية على رواية محمد حسين هيكل!
وعقب رواية عائشة بست سنوات؛ أصدرت " أليس البستاني" روايتها عام 1891م، وتلتها فريدة عطية عام 1893م بروايتها: " بهجة المخدرات"، ثم نشرت الروائية المصرية عفيفة روايتها " فايبولا" عام 1895م، ثم أصدرت زينب فواز روايتها:" حسن العواقب أو غادة الزاهرة" عام 1895م وقيل عام 1899م.
ليصبح عدد الروايات النسائية بحلول عام 1899م خمس روايات، و 1118 رواية نسائية بحلول عام 2003م؛ كتبتها 529 كاتبة عربية!  

ب‌.    الكتابة الأدبية الاجتماعية : و هي نمط من الكتابة انتهجته بعض الأديبات المعاصرات؛ ليعالجن من خلاله القضايا الاجتماعية والفكرية من مستوى عال، هيأ لهن مكانا في القيادة الفكرية العامة، وأكثر من كتبن فيه؛ اتخذن من الصحف والمجلات والإذاعات منبرا، وقلة لجأن للكتابة في كتب نشرنها بعد ذلك. 
ومن رائدات هذا اللون الكتابي: الأديبة أمينة سعيد، رئيس تحرير مجلة حواء، و بنت الشاطئ التي تولت الدفاع عن قضية الفلاح المصري من خلال مقالات متتابعة في صحيفة الأهرام لسنوات، ثم من خلال كتابيها: " الريف المصري" و " قضية الفلاح" ، وقصتها:" سيد العزبة".  

ت‌.    الدِّراسات الأدبيَّة: وبعد تألق المرأة في الإبداع الفني؛ أرادت إثبات وجودها في المجال العلمي؛ فدخلت الميدان من أصعب أبوابه، كي ترسخ وجودها الجامعي، كما فعلت سهير القلماوي ـ أستاذة الأدب بجامعة القاهرةـ حين اشتغلت بأدب الخوارج وألف ليلة وليلة، وكما فعلت بنت الشاطئ بتحقيقها رسالة الغفران لأبي العلاء والمحكم لابن سيده.   
          ثم تتابعت الجهود النسائية العلمية الأكاديمية: تعكف على التراث، وتستخلص المسكوت عنه من آثار النساء،    فقدمت للمكتبة العربية التراجم النسوية الأمينة، وصححت فهم هذا الجيل لمكان المرأة في التاريخ الفكري والأدبي. 
*ظاهرة الأسماء المستعارة الطارئة على الأديبات العربيات في عصر النهضة:
جاءت ظاهرة الأسماء المستعارة في أدب المرأة العربية المعاصرة كظاهرة دخيلة من الثقافة الغربية لم تعرفها المرأة العربية يومًا؛ فاستعارتها الأديبة العربية في مطلع عصر النهضة الحديث؛ تخوفا من الأصداء التي قد تحدثها كتاباتها، وحذرا من الإساءة لاسمها في مجتمع تقليدي محافظ؛ إضافة إلى موقف الرجال والمجتمع المتذبذب من إبداعها؛ فكتبن حينا بأسماء مستعارة، ومنهن:
ملك حفني ناصف التي لقبت نفسها بـ:" باحثة البادية"، وعائشة عبد الرحمن التي لقبت نفسها بـ:" بنت الشاطئ"، ومي زيادة التي لقبت نفسها حينا بـ:" إيزيس كوبيا"، وحينا بـ:" خالد رأفت". 


عوامل نهضت بالكتابة النِّسائية، و ودعمتها، وأغرت بها: 
وهي ذات العوامل التي تغلبت بهنَّ الأديبات على الصعوبات والعوائق، و أثرين الكتابة من خلالها، منها:
1.    نشوء الصالونات الأدبية.
2.    المشاركة في الصحافة: كمشاركة عائشة التيمورية في المجلة الذكورية:" الآداب".  
3.    تأسيس مجلات نسائية: كمجلة: " الفتاة" التي تأسست عام 1893م، مجلة: "فتاة الشرق" التي أسستها لبيبة هاشم عام 1906م، ومجلة: " الكاتبة" عام 1994م.  
4.    الكتابة في المجلات الذكورية: كمجلة:" الجريدة" التي كانت تنشر فيها ملك حفني ناصف مقالاتها باسم: "باحثة البادية". 
5.    إنشاء اتحادات تدافع عن حقوق المرأة: مثل: " الاتحاد النسائي المصري" الذي أسسته: هدى شعراوي. 
6.    الترجمة النسائية: مثل صوفي عبد الله التي بدأت تجربتها القصصية بترجمة الروايات الإنجليزية والفرنسية ابتداء من عام 1951م، وبلغ عدد ترجماتها 35 رواية خلال ثلاث سنوات .
7.    إنشاء مجموعة من الأنطولوجيات الخاصة بالكتابة النسوية، وكانت من نتاج الأديبات والكاتبات فقط ، كالأنطولوجيا التي أعدتها لطيفة الزيات عام 1994م، باسم:" كل هذا الصوت الجميل" .   
8.    إقامة دور نشر نسائية، مثل: "دار سعاد الصباح" للكاتبة الكويتية: سعاد الصباح، و" منشورات غادة السمان" عام 1977م.   
9.    تقديم الأبحاث العلمية الخاصة بدراسة الإبداع النسائي: وقد برع فيها عدد من الأديبات الباحثات، مثل: لطيفة الزيات، وشيرين أبو النجا، وغيرهن؛ قدمن أبحاثهن حول الفن القصصي النسائي، وظهر الاتجاه النقدي النسائي، وتألقت فيه عدد من الناقدات، وبرز مصطلح الأدب النسوي وتجذر في الدراسات البحثية، مما أوصل الأدب النسائي إلى مكانة مرموقة. 


مراحل تطوُّر الأدب النِّسائي الحديث:
مرت الكتابة النسائية في عصر النهضة بمراحل ثلاث:
1.    مرحلة التقليد: هي مرحلة يمثلها الرائدات الأديبات العربيات مثل: وردة اليازجي؛ وتبدأ من منتصف القرن 19م، وحتى منتصف القرن العشرين، و تتبنى في فكرها الثقافة السائدة، والأعراف الأدبية الذكورية، مع جهد ضئيل في محاولة الانعتاق في مرحلة الانطلاق.  
أ‌.    مرحلة الريادة: وهي المرحلة التي لجأ فيها النساء إلى الاختفاء خلف الأسماء المستعارة، واتجه فكرها إلى معالجة القضايا الاجتماعية التي عكست معاناة المرأة العربية في علاقتها مع الرجل؛ كما فعلت لبيبة هاشم في قصتها:" قلب الرجل".  
ب‌.    مرحلة الانطلاق: وتمثل ثلاثينيات القرن العشرين؛ وقد ظهر فيها أديبات مثقفات أكاديميات ساعدن على نهضة الكتابة النسوية، مثل: سهير القلماوي وعائشة عبد الرحمن. وفي هذه المرحلة: ازدهرت الدراسات الأكاديمية والبحثية على أدب المرأة، والترجمة عن الثقافتين الإنجليزية والفرنسية مع التأثر بهما، وغلبت النزعة الرومانسية التشاؤمية على الكتابة. 
2.    مرحلة التمرُّد: وتبدأ من نهاية النصف الأول من القرن العشرين وحتى ثمانينات القرن العشرين، وهذه المرحلة هي وليدة المتغيرات في مجالات الحياة المختلفة خلال الخمسين عاما الماضية؛ استجد فيها نزوع بعض الكاتبات إلى مضامين منتزعة من عالمهن الخاص؛ بعيدا عن قضايا المرأة العامة، كما اهتمت الأديبات فيها بمضامين الوطن والشعب والهزيمة والحرب والضياع، ومثالها: رواية " عصافير الفجر" لليلى عسيران. 
ووظفن فيه تقنيات كتابية حديثة: كتوظيف تيار الوعي، والاسترجاع، ومضامين علم النفس، ومن أشهر كاتباته: نوال السعداوي، وغادة السمان.  
3.    مرحلة الثَّورة: وتبدأ من ثمانينات القرن العشرين إلى يومنا هذا؛ وهي امتداد لمرحلة التمرد النسوية ضد السلطة الأدبية الذكورية، وفيه حرصت المرأة على فكرة استعادة السلطة التي أوكلت أمرها للرجل؛ لإهماله لها، وتهميش قضيتها؛ فسلكت بذلك نهجا في الكتابة مغايرا لما عرف عن الرجل.
ونشطت في هذه المرحلة الحركات والتنظيمات النسائية كـ:" مؤسسة تضامن النساء العربيات" عام 1989م، وكثرت المجلات النسائية الخاصة، كـمجلة:" نون" الخاصة بنشر إبداعها؛ وانتشرت فيها دور النشر النسائية، والمطابع؛ فازدهرت حركة النشر لهن منهن. 
من الأفكار التي شاعت في هذه الحقبة: تقزيم صورة الرجل، رفض مؤسسة الزواج، معالجة القضايا اليومية، ومن أديبات هذه المرحلة: "منى حلمي"، ولها من القصص: " للفن أغنية".
وتقنيا: سعت المرأة إلى خلط الأجناس في سبيل تأسيس نظرية أدبية جديدة مخالفة لتلك الذكورية، وانتهجت الكتابة التجريبية التي تميل للغموض .      


مضمون الأدب النسائي:
 تضمنت الكتابة النسائية في مجملها ثلاثة أفكار:
1. كتابات موجهة للرجل.
2. كتابات موجهة للذات.
3. كتابات موجهة نحو المؤسسات المجتمعية المدنية.

 خصائص الكتابة النسائية:
1. هيمنة الكتابة عن الذات والشعور و دواخل النفس.
2. طغيان الذات في السرد الروائي، عبر الإكثار من ضمير المتكلم و الأنا لتتوسط الحوار بين شخصيات الرواية أو القصة.
3. هيمنة الحوار مع الذات ( المونولوج) على الحوار بين الشخصيات.
4. طغيان الوظيفة الشعرية الوجدانية.


 بين يدي المفهوم: 
إن مصطلح الأدب النسائي أو النسوي غارق في الجدلية والخلاف، والقبول والرفض؛ إذ يذهب البعض إلى عنصرية هذه التسمية التي تصنف الأدب على حسب الجنس؛ فهذا التصنيف يستلزم أن يكون في مقابلة:" الأدب النسائي" أدبا ذكوريًّا، وهو ما لايوجد! وتبدأ جدلية المصطلح بدءا من أنّ واضعه الأول هو:" الرجل"!
وخروجًا من كلِّ هذا الجدل؛ نقول إنَّ الأدب النسائيّ أو النسوي مصطلحٌ مفروض على الساحة الأدبية اتفقنا أو اختلفنا؛ وأبين تعريفاته وأنقاها تجلت بين رؤيتين :
الرؤية الأولى ترى: أن الأدب النسائي هو كل النصوص التي تتناول قضية المرأة دون الرجل أيا كان جنس كاتبها!  
والرؤية الثانية ترى: أن الأدب النسائي هو كل أدب أنتجته قرائح النساء منذ بداية مسيرتهن الأدبية.
وأنا ميَّالة الثاني!

وعلى كلِّ هذا التَّاريخ الكتابيّ الأدبيّ الإبداعيّ للمرأة باختلاف عصوره وأشكاله وتجلِّياته وعقباته؛ فإنَّ سمة واحدة تتبدَّى فيه؛ لا يزيدُها التَّقادم إلا تجذرًا؛ واكتمالًا ونضوجًا؛ وهي: الانغماس في عاطفيَّة الانفعال ووجدانيَّة التَّناول في كلِّ فنون وألوان القول، مهما تنوَّعت وتجدَّدت وتوالدت؛ فالوجدانيَّة في كتابة المرأة هي مكمن امتيازها وقوَّتها، ومنبع فرادتها، " وعلى الكاتب المتفرِّد أن يكون كالخُلد! يختار رقعةً من الأرض ويحفر فيها عميقًا"؛ وأرض المرأة الخصيبة في الأدب وجدانها؛ وهي الضامنة لديمومته جوهرًا لأصالة الأدب ومنبعًا لتأثيره!

 

 

 

 المراجع:

1. مُعْجم النِّساء الشَّاعرات في الجاهليَّة والإسلام، خطوة نحو معجم مُتكامل، إعداد: عًبْد مهَنَّا، الطَّبعة الأولى، 1410هـ ـ 1990م، النَّاشر: دار الكُتُب العلميَّة، بيروتـ لبنان.

2. كتاب بلاغات النِّساء: "وطرائِف كلامهنَّ، ومُلح نوادرهنَّ، وأخبار ذوات الرَّأي منهنَّ، وأشعارهنَّ في الجَاهليَّة وصَدر الإسلام"، تأليف: الإمام أبي الفضل أحمد بن أبي طاهر، 1336هـ ـ 1908م، مطبعة مدرسة والدة عبَّاس الأوَّل، القاهرة.

3. سمات الأدب النِّسائي في:" بلاغات النِّساء" لأحمد بن طَيفور، تأليف: عبد اللطيف أرناؤوط، مجلَّة التُّراث العربي، العدد 50، 1993م، سوريا.

4. صور من الأدب النَّسوي العربي، نجاح إبراهيم، مجلة الموقف الأدبي، العدد466، 2010م، سوريا.

5. الكتابة الروائية النسوية العربية بين سلطة المرجع وحرية المتخيل، رسالة دكتوراة، إعداد: بايزيد فطيمة الزهرة، 1433هـ ـ 2012م، الجزائر.

6. الكتابة النسوية العربية من التأسيس إلى إشكالية المصطلح، تأليف: د. عامر رضا، الأكاديمية للدراسات الاجتماعية والإنسانية، ميلة.

7. عن الأدب النسائي محاولة في ضبط المصطلح، تأليف: محمد راتب حلاق، مجلة الموقف الأدبي، العدد 521، 2014م، سوريا.

8. الأدب النسوي العربي المعاصر، بقلم: الدكتورة عائشة عبد الرحمن، بنت الشاطئ، مجلة الثقافةـ مدحت عكاش، العدد 9، 1962م، سوريا.

9. النَّقد النِّسائي وتأنيث الأدب، تأليف: هبة عادل عيد، العدد98، 1989م، مصر.

10. أدب النساء في الجاهلية والإسلام، تأليف: دكتور محمد بدر معبدي، المطبعة النموذجية، مكتبة الآداب ومطبعتها، الحلمية الجديدة، مصر.

11. شعريَّة السَّرد النَّسوي العربي الحديث: ( 1980م ـ 2007م)، رسالة دكتوراة، إعداد: محمد قاسم صفوري، 2008م، حيفا.

12.  الشِّعر النِّسائي في أدبنا القديم، تأليف: د. مي يوسف خليف، النَّاشر: مكتبة غريب.